محمود عوض
فيما بدا أنه إسعاف متأخر للرئيس الأمريكى جورج بوش فى واشنطون اختار تونى بلير رئيس وزراء بريطانيا أن يقوم بجولة لامعنى لها بالشرق الأوسط مروجا من جديد لأفكار " المحافظين الجدد" . هى جولة لا معنى لها لأن تونى بلير نفسه دخل بالفعل مرحلة الخسوف السياسى بعد عشر سنوات فى السلطة تصرف خلالها على أنه التابع المطيع لواشنطون فيما تريده وتفعله .
فى هذه المرة اختار تونى بلير أن يعلن من دبى دعوته إلى إقامة تحالف من الدول المعتدلة فى الشرق الأوسط ضد ايران ، معتبرا أن ايران " باتت تشكل عقبة فى طريق تحقيق السلام فى الشرق الأوسط " ومقررا من جانبه أن من يشكل الخطر الإستراتيجى الأكبر فى ايران هم من يحكمونها حاليا ، ومضيفا القول :" إنهم يحاولون إعاقتنا فى لبنان والعراق وفلسطين .. ردنا يجب أن يكون مواجهة ما يقومون به وإنشاء تحالفات لمنعهم وإعاقتهم فى جميع أنحاء المنطقة " مشيرا إلى أنه " على من يؤمنون بالديموقراطية والإعتدال التحالف فى مواجهة من يؤمنون بالتطرف ".
بعدها بقليل خرج متحدث باسم تونى بلير لكى ينفى أن تصريحاته متناقضة مع ما ورد فى تقرير مجموعة دراسة العراق الأمريكية برئاسة جيمس بيكر ولى هاملتون .. وأنه لايرغب فى "تحالف سنى " لمواجهة طهران، ولكن فى تحالف من " المعتدلين " .. إلخ .
وبينما الأمريكيون احتاجوا بعض الوقت لكى يبدأوا فى مراجعة أنفسهم فإن تونى بلير فى بريطانيا لايبدو عليه الإستعداد لمراجعة خطاياه فى الماضى ، فهو أيضا الذى زايد على إدارة جورج بوش فى توجهها لغزو العراق مؤكدا فى تقرير رسمى إلى مجلس العموم أن العراق يحوز فعلا أسلحة دمار شامل ، بل ونشرها بين قواته بما يجعلها قابلة للإستخدام الفورى خلال 45 دقيقة من صدور الأوامر بذلك .
موال العراق طال واستطال وتحولت الحرب / النزهة إلى الحرب / الكارثة. كارثة على العراق وعلى المنطقة، ولكنها أيضا كارثة للمشروع الإمبراطورى الأمريكى . وفى كتابه الذى صدر قبل سنتين بعنوان "نزع سلاح العراق" سجل هانز بليكس كبير مفتشى الأمم المتحدة اندهاشه المستمر من ضغط الإدارة الأمريكية عليه للإقرار بوجود أسلحة دمار شامل لدى العراق عشية الغزو الأمريكى رغم أن مفتشيه ـ وبينهم أمريكيين ـ كانوا قد فتشوا فعلا خمسمائة موقع عراقى فلم يجدوا شيئا . مع ذلك أصر مسئولو الإدارة الأمريكية ـ وتحديدا ديك تشينى نائب الرئيس ـ على وجود أسلحة الدمار الشامل بغير أن يحددوا له مطلقا أين يمكن العثور على تلك الأسلحة . كان هانز بليكس يطرح السؤال المنطقى التالى:"هل يمكن أن يكون هناك تأكد بنسبة مائة بالمائة من وجود أسلحة دمار شامل فى العراق بينما المعرفة بمواقعها هى صفر بالمائة ؟" . لم يجب مسئول أمريكى أو بريطانى واحد فى حينها على ذلك السؤال من هانز بليكس. ومضى غزو العراق فى طريقه المخطط له أصلا بغير أن يعثر 140 ألف جندى أمريكى حتى الآن على فتفوتة سلاح للدمار الشامل فى العراق .
الآن فى نهاية 2006 تبدأ التعبئة لهدف جديد هو ايران فى هذه المرة ، وبحجة أخرى هى وجود برنامج سرى لديها للتسلح النووى . ايران لديها برنامج نووى سلمى يخضع للإشراف والتفتيش الكاملين من وكالة الطاقة النووية . ومع ذلك فلا أمريكا ولا بريطانيا قدما حتى الآن ذرة معلومات إلى الوكالة بالمواقع المحتملة لذلك البرنامج الآخر ـ البرنامج السرى ـ لدى ايران للتسلح النووى . نحن هنا أمام نفس سؤال هانز بليكس مرة أخرى .
ومنذ سبتمبر 2002 قررت أمريكا رسميا فى استراتيجية معلنة للأمن القومى أن ايران تتصدر محورا للشر فى الشرق الأوسط لابد من القضاء عليه . وهو نفس ما كررته فى وثيقة مماثلة فى مارس 2006 ، متابعة نفس أسلوب الحشد والتعبئة الدعائية الذى جرى سابقا مع العراق ، ومعبئة كل دبلوماسيتها مؤخرا لاستصدار قرار من مجلس الأمن الدولى بعقوبات مبدئية ضد ايران . دبلوماسية قادها الرئيس جورج بوش شخصيا فى إلحاحه على الرئيس الروسى فلاديمير بوتين بالمكالمات التليفونية حتى تقوم روسيا بمسايرة التوجه الأمريكى ولو حتى ضد مصالح اقتصادية واستراتيجية روسية مباشرة . بل وربما أيضا لضرب تلك المصالح مرة أخيرة ونهائية .
أستعير هنا بعضا من تحليل لمعلق بريطانى خبير بالشرق الأوسط هو ماكس رودينبيك من مجلة " الإيكونوميست" الذى كتب مؤخرا يقول :" بالنسبة لمراقب موضوعى تبدو أمريكا هنا محظوظة بشكل مدهش إذا كان صحيحا حقا أن ايران أصبحت تمثل التحدى الأكبر ضدها . فبلا شك كانت إحدى نتائج الغزو الأمريكى للعراق هى توسيع نفوذ ايران هناك بدرجة ضخمة . تحدى كانت سياسة أمريكا الخاصة هى التى جعلته ممكنا . لكن الجمهورية الإسلامية تبعد عن سواحل أمريكا بمسافة نصف العالم وسكانها ربع سكان أمريكا وناتجها القومى الإجمالى واحد من مائة من ناتج أمريكا القومى وهى فى الوقت الحاضر محاطة بقوات مسلحة من أمريكا وحلفائها وبتسليح أفضل وقدرة أكبر . كل هذا بالمقارنة مثلا مع تهديد الإبادة النووية الذى كان يمثله الإتحاد السوفيتى السابق ضد أمريكا فيما بين سنتى 1949 و 1989 . وحتى لو أصبحت ايران مسلحة نوويا فعلا (وهو احتمال غير قائم بالمرة) فهى لن تجرؤ مطلقا على ضرب القوة العظمى الوحيدة حاليا لأنها بذلك ستخاطر تأكيدا بإبادتها كرد فعل . وفى الخلاصة فمن الواضح أن أمريكا هى التى تمثل تهديدا لإيران أكبر بكثير جدا مما تمثله ايران لأمريكا . وللتناقض فإن هذا التهديد الأمريكى لإيران حاليا هو ـ أكثر من أى شىء آخر ـ الذى يدعم من وجود حكومة قمعية وغير شعبية فى ايران " .
لكن المشروع الإمبراطورى الأمريكى رفض من البداية أى منطق وهو لايكره أكثر من الحقائق المجردة . من هنا جاء تقرير لجنة بيكر / هاملتون مؤخرا بمثابة جملة اعتراضية على كل تلك المكابرة . لم تكن أهمية التقرير هى أن إدارة جورج بوش ستأخذ به ، فهى اعتبرته من اللحظة الأولى قاسيا جدا ، بل وبدأت الإدارة بعده فى التحدث عن زيادة القوات الأمريكية المحتلة بالعراق . وأعلن روبرت جيتس وزير الدفاع الأمريكى الجديد أن أمريكا باقية فى العراق ودول الخليج والشرق الأوسط لوقت طويل قادم . وقت غير مسمى . أما كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية فأعلنت بكل وضوح أن التكلفة التى تحملتها أمريكا فى حرب العراق ـ 350 مليار دولار و2950 جندى قتيل حتى اللحظة ـ إنما هى بمثابة " استثمار جيد " بحجة أن بزوغ نجم العراق كعامل استقرار سيفتح الباب على مصراعيه لظهور شرق أوسط جديد .
نقرير لجنة بيكر/هاملتون لا تعتمد أهميته إذن على أخذ الإدارة الأمريكية بتوصياته . لن تأخذ الإدارة بتوصياته. إنما الأهمية الأساسية هى أن التقرير فتح باب النقاش العام داخل أمريكا ذاتها ،وهو الباب الذى حرصت الإدارة الأمريكية على إغلاقه تماما منذ اللحظة الأولى لدخول جورج بوش إلى البيت الأبيض لأول مرة . نتذكر هنا مثلا أول عضو فى
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ